الإثنين 17 محرم 1441 - 20:00 بتوقيت مكة المكرمة الموافق 16-9-2019
(يونا)
القاهرة (يونا) – دعا المدير العام لاتحاد وكالات أنباء دول منظمة التعاون الإسلامي (يونا) عيسى خيره روبله، إلى عقد ملتقى سنوي لوكالات الأنباء بدول العالم الإسلامي ومسؤولي المؤسسات الإسلامية العلمية والأكاديمية العاملة على نشر خطاب التسامح والاعتدال وترسيخ بناء الدول والتي تتولى مواجهة الفكر المتطرف والهدام، وذلك لرسم استراتيجية إعلامية مشتركة بأجندة سنوية محددة لمحاربة الإرهاب والتطرف وكافة أشكال العنف الفكري.
وقال روبله، الذي كان يتحدث اليوم الاثنين في الجلسة المسائية للمؤتمر العام الثلاثين للمجلس الأعلى المصري للشؤون الإسلامية بعنوان (فقه بناء الدولة – رؤية فقهية معاصرة): ندعو من هذا المنبر المبارك إلى عقد ملتقى سنوي لمسؤولي ومحرري الأقسام الدينية ووضع أجندة سنوية لتناولها ومناقشتها لنشر الوعي الحقيقي لدى عامة الناس وفي أوساط الشباب، تحصيناً للأمة من الإرهاب والتطرف.   

وفيما يلي نص كلمة المدير العام لـ(يونا) في الجلسة التي أدارها قاضي قضاة فلسطين الدكتور محمود الهباش:
إنه لمن دواعي سروري أن أقف اليوم بين أيديكم ممثلاً لاتحاد وكالات أنباء دول منظمة التعاون الإسلامي(يونا) تلبية للدعوة الكريمة من معالي وزير الأوقاف، في هذا المؤتمر العلمي والفكري، على أرض الكنانة، بلد العلم والعلماء، بلد الأزهر الشريف، برعاية فخامة الرئيس عبد الفتاح السيسي.
وبهذه المناسبة أتوجه بالشكر الجزيل لجمهورية مصر العربية حكومة وشعبا على كرم الضيافة وحسن الاستقبال.
حضرات السادة والسيدات...
إن "الدولة الوطنية" تعد من السمات البارزة للمرحلة الحالية في التاريخ الإنساني، وعلى الرغم من الإشكالات التي تثار بشأنها بين الفينة والأخرى، إلا أنَّنا نستطيع القول بوضوح: إنَّ "الدولةَ الوطنيةَ" القائمةَ على مبدأِ "المواطنة"، وتساوي الأفراد في الحقوق والواجبات، تظلُّ الشكلَ التنظيميَّ الأمثلَ الذي اختارته الإنسانيةُ في أطوارِها الأخيرةِ، للحفاظِ على مصالحِ الأمةِ، وتنميةِ مواردِها، وإدارةِ علاقاتِها الخارجيةِ بالأممِ الأخرى.

وهذا يعني أنَّ وجودَ "الدولة الوطنية" الفاعلةِ والقادرةِ على بَسْطِ نفوذِها، وتحويلِ قراراتِها وخططِها إلى سياساتٍ فعليةٍ، أصبحَ شرْطاً للاستمرار الحضاري، واطِّرادِ العمران، في العالم المعاصر.
لست هنا للحديث في مجالات "فقه بناء الدولة" الذي أفاض فيه علماؤنا الأفاضل عبر أوراقهم البحثية الضافية والتي تناولت كل ما يتعلق بأسس وقواعد بناء الدولة، ودولة المواطنة برؤية تأصيلية علمية فقهية أصيلة تنفتح على العصر وآلياته، ولكنني أريد أن أتحدث إليكم من واقع مسؤولية اتحاد وكالات أنباء دول منظمة التعاون الإسلامي الذي هو مظلة لوكالات الأنباء بدول المنظمة، ومنصة لأخبار وقضايا الأمة والذراع الإعلامية للمنظمة.
في الواقع منذ أن عصفت رياح التطرف والتشدد بالعديد من مناطق الأمة الإسلامية تنبهت المؤسسات الأصيلة في عالمنا الإسلامي وعلى رأسها الأزهر الشريف ومنظمة التعاون الإسلامي ورابطة العالم الإسلامي، والعديد من المراكز والجامعات في دول العالم الإسلامي إلى هذا الخطر، وعملت على تفنيد هذه الرؤى المتشددة وتقديم الصور السمحة لديننا الحنيف، وقد كان لمؤتمرنا هذا الذي تقوم عليه ثلة من العلماء الأجلاء في دوراته السابقة جهود رائعة في مناقشة وترسيخ صور التعايش والتسامح والحوار في الإسلام.

وفي العقدين الأخيرين بات الأمر أكثر إلحاحاً في التصدي لظواهر التطرف والتشدد، ولا بد من الإشارة هنا إلى المراكز التي كانت لها الصدارة في هذا المجال مثل  مرصد الأزهر الشريف للفتاوي التكفيرية والمتشددة والإسلاموفوبيا، وكذلك دار الإفتاء بمصر، ومركز اعتدال في الرياض، ومركز الأمير خالد الفيصل للاعتدال، وهناك العديد من المنابر والمنصات لمواجهة ظاهرة التطرف وترسيخ صور التسامح والتعايش ومنها مجلس حكماء المسلمين والمجلس العالمي للمجتمعات المسلمة والمجلس العالمي للتسامح ومركز هداية في الإمارات العربية المتحدة، ومركز صوت الحكمة للحوار التابع لمنظمة التعاون الاسلامي، إلى غير ذلك من الجهود المبذولة في هذا المجال.
وهنا لا بد من الحديث عن دور الإعلام في ترسيخ مبدأ الدولة الوطنية وعلى وجه التحديد الإعلامي أو الصحفي الذي يعمل في الحقل الديني الإسلامي، فإذا لم يكن لدينا الإعلامي المتخصص والمؤهل الذي تتوفر له فرص التطور والاجتهاد ومواكبة العلماء وما يخرج عنهم وعن مؤتمراتهم فلا أظن أن الجدوى ستكون مرضية بالقدر الكافي، فواقع الصحفيين العاملين في الحقل الديني سواء في الصحف أو في وكالات الأنباء هو وضع ينقصه الكثير، ففي الوقت الذي تتيح فيه الاتحادات الرياضية والأندية لمحرري الرياضة التدريب والسفر والمنح، ومصادر الدخل، وكذلك محرري الفن والتعليم وحتى من يتابعون الثقافة ودور النشر على الأقل توفر لهم الهيئات والمؤسسات الثقافية الإصدارات والمنح الدراسية وفرص السفر، نجد أن المؤسسات الدينية لا تضع مثل هذه الأمور في حساباتها وإن حدثت فهي بشكل فردي وغير مستمر.

وقد أثبتت التجارب أنَّ الإعلامَ هو من أهم القنوات التي تساهم في بناء الدولة، لما يتطلَّبُه من معالجة خاصَّة، فإذا كان "التعليمُ" خاضعاً للسلطة المركزية للدولة، بحيث يمكنها إدارةُ مضامينِه على الوجه الذي يحقق غاياتِها، ويخدمُ مصالحَ الأمة، فإنَّ "الإعلامَ" الآن  بمثابة الفضاءِ المفتوحِ الذي تتنازعه تياراتٌ واتجاهاتٌ مختلفةٌ، ما أدَّى إلى خلق تحديات عدَّة بالنسبة للدولة وخطابها الإعلامي، منها:
أولا: انتشار الخطابات المضادة لخطاب "الدولة الوطنية"، فإذا كان خطاب "الدولة" الإعلامي يقوم على مبادئ من قبيل "السيادة" و"وحدة الأمة"، و"حفظ الأمن" و"الوسطية والاعتدال"، فإنَّ كثيراً من الخطابات المضادة تروج للانقسام، والصراع الطائفي، بل وللتطرف والإرهاب وكراهية الآخر في بعض الأحايين.
ثانيا: غياب المسؤولية، نتيجة الفوضى في النشر الإعلامي، واستغلال حرية النشر التي أتاحها الفضاء الرقمي لتحقيق أغراض سلبية، كنشر الشائعات، والتزييف العميق للأخبار والفيديوهات.
ثالثا: انتشار الحملات الإعلامية المنظمة التي تستهدف دولاً معينة، بهدف تضليل مواطنيها، وضرب ثقتهم في دولهم. 
وأمام هذه التحديات، تبرز أهميةُ القنوات الاتصالية ذات الطابع الرسمي، في ترسيخ خطاب الدولة، والحفاظ على نسق اتصالي بينها وبين العموم، يتميز بالمصداقية، والمسؤولية، والدقة في نقل الخبر والبيانات، إضافة إلى وضوح عناصره الاتصالية، بما في ذلك مصدر الرسالة الإعلامية، والقناة الناقلة، والغاية من الرسالة، على نحو يضفي على الخطاب الإعلامي الموثوقية، ويجعله أقدر على الإقناع. 
وبهذه المزايا، يمتاز الإعلامُ الرسميُّ عن كثيرٍ من وسائل الإعلام التي يضِجُّ بها الفضاء التواصلي، والتي تلتبس فيها عناصرُ العمليةِ الاتصاليةِ، ويسُودُهَا الغموضُ، حتى لا يُعْرَفُ في كثير من الأحيان مصدرُ المعلومة، ولا الغايةُ منها، ولا مرجعياتُها التي تعتمد عليها، الأمر الذي يُسَهّلُ عمليةَ التلاعبِ بالجمهور، والتنصُّلَ من مسؤوليات المهنية والدقة التي يقتضيها العمل الإعلامي.

ويأتي على رأس قنوات الاتصال الرسمية، التي تسهم في تحقيق رسالة "الدولة الوطنية" في المجال الإعلامي، وكالات الأنباء الوطنية التي تضطلع بكثير من المهام في هذا الجانب.
إننا كاتحاد لوكالات أنباء دول منظمة التعاون الإسلامي، على استعداد تام للتعاون مع الجهات والمؤسسات الدينية لبلورة مشروع على نطاق العالم الإسلامي لتدريب كوادر الإعلاميين المختصين بالشأن الديني عبر دورات وورش عمل إقليمية، ودراسة توفير منح دراسية مع الجامعات والأكاديميات الدينية في العالم الإسلامي للمنخرطين في هذه الدورات، انطلاقاً من مخرجات الجمعية العامة الخامسة للاتحاد والمنعقدة في مدينة جدة بالمملكة العربية السعودية في الخامس عشر من أكتوبر عام ألفين وسبعة عشر، حيث شددت على  التصدي لاستخدام الفضاء الافتراضي لأغراض إرهابية، بما فیها التجنید والتمویل، وكذلك العمل على نشر الرسالة والمعلومات الصحيحة عن الإسلام باعتباره دین الوسطیة والاعتدال والتسامح.
وكذلك استناداً إلى النظام الأساسي، المتمثل في تعزیز العلاقات والصلات المهنیة والتدریبیة، وتنمیة التعاون وتعزیز أواصر الأخوة والتضامن، وبذل الجهود لتحقیق أقصى درجات التعاون المشترك.
كما ندعو من هذا المنبر المبارك إلى عقد ملتقى سنوي لمسؤولي ومحرري الأقسام الدينية في وكالات الأنباء وممثلي المؤسسات والمراكز الإسلامية التي أخذت على عاتقها التصدي للتطرف والتكفير والتشدد لمناقشة آخر المستجدات بهذا الشأن، ووضع أجندة سنوية لتناولها ومناقشتها لنشر الوعي الحقيقي لدى عامة الناس وفي أوساط الشباب، تحصيناً لأمتنا من هذا البلاء.  
((انتهى))
حازم عبده/ ح ص
 
 
 
جميع الحقوق © محفوظة لاتحاد وكالات أنباء دول منظمة التعاون الإسلامي